مراكش المدينة التي بدأت تزيل ثيابها ..!!
كتبهاابواب ، في 19 أغسطس 2007 الساعة: 12:01 م
مراكش المدينة التي بدأت تزيل ثيابها ..!!

حينما يشتد حر الصيف ، يحتاج المرء لفترة هروب من الهموم اليومية الى فضاء رحب يفتح لك دراعيه كي يحضنك ، ويعيد شحن طاقتك من أجل الاستمرار في الحياة بشكل أفضل ..
هكذا بدأت رحلة صيفي ، فقررت أن تكون أول وجهتي هي مراكش .
يقول لي صديقي ، أصاحبي أجي نبعدوا شوية من الميكة الكحلة ديال اليازغي ، وشهادة الضعف التي اغتالها بيد الله ، وعرق تلاثين الف شاب التي تبلل عباس الفاسي ، ومئات الهكتارات التي فوتها العنصر للمقربين منه من القوارض كأحرضان ، .. آه أجي أصاحبي نطَلِق أخبار كل هؤلاء بمن فيهم وزير الثقافة الأشعري الذي إحتفى بمهرجان الحمار مؤخرا في ضواحي زرهون .. أجي ننساوهم عيش مك .. كان هذا الصديق يقول هذا الكلام ونحن في طريقنا الى مراكش عبر الطريق السيار الرابطة بين البيضاء ومراكش ، وهي الطريق الوحيدة ربما في العالم التي ليس فيها أي محطة بنزين ولا مقاهي ولا محطات إستراحة ، ولا حتى طواليطات مع أنها تمتد لمئات الكيلومترات .. قلت لصديقي ألا يذكرك هذا بوزيرنا في التجهيز والنقل ..؟ ألا ترى أنه يتبعنا بالرغم من أنك طلبت أن ننساه .. يضحك هذا الصديق ويقول لي مبقا ليه والو ويغبر كمارتو علينا ..
دخلنا مراكش ليلا بعد طريق طويلة إمتدت لساعات في أرض جرداء .. حينما دخلنا وجدنا مراكش تستعد لاستقبال ليلها الساخب حيث يستيقض من لا يرى ضوء الشمس ولا يعيش إلا على ضوء الحانات، والمراقص الليلة كـمرقص الباشا الذي يعتبر إبن والي مراكش شريكا فيه ، وهذا المرقص يعتبر الأكبر في إفريقيا حيث يشتغل ليل نهار دون إنقطاع وفيه كل أنواع الموسيقى ، دون أن ننسى أن فيه كل أنواع الفساد أيضا .
جميلة هي مراكش ليلا تشبه إمرأة تنتظر عريسها وهي مكتملة الجمال ..مراكش مدينة تعلن عن هويتها بلونها الأحمر وتلاقح ثقافاتها التي تميز مريديها والذين قرروا الاستقرار فيها منهم حوالي 35 ألف فرنسي فضلوا المدينة الحمراء كمكان إقامة دائم وذلك في السنة الماضية فقط ، وهذا الرقم مرشح للإرتفاع في الشهور القليلة الماضية لما تعرفه هذه المدينة من ديناميكية جعلت منها تشبه لوحة رسمها فنان بكل هدوء ورومنسية ..
بعد تجوال خفيف في ليل مراكش قررنا النوم لكي نستعد لنهار حافل بالتجوال ، وكسر روتينية الأيام العادية .. صباحا اخذنا فطورنا في فندق آسني الذي عرف أول عملية إرهابية ونوعية تضرب المغرب في بداية التسعينات . كان منفذوها جزائريين قدموا عن طريق فرنسا ، فكان هذه هي الشرارة الاولى لسد الحدود بين البلدين ، والتي مازالت لحد اليوم مغلقة بين بلدين شقيقين تجمعهما الجغرافية ، والثقافة ، والروابط التاريخية ..
يجلس صديقي في مقهى الفندق وهو يحملق في - كاورية - تبتسم له وتعلن بلغة مشفرة موافقتها على الحراكات التي يرسلها لها حينما يغمض عينه اليسرى ويبقى اليمنى مفتوحة محاولة صنع حب في تانية .. أناديه ونتا نوض أراس الفجلة نمشيو ..ولا تغازل الفرنجة .. يبتسم الصديق ويقول لها مالك اصاحبي أنا اساهم في تصالح الحضارات ….
صديقي لا يتعب،ولا يكل ويحب السير على أقدامه ليستمتع بكل صغيرة وكبير ، يعجبني إصراره على إكتشاف الجزءيات .. هكذا طفنا مراكش في شوارعا الأنيقة والنظيفة مع الخضرة التي تلازم جوانب شوارعها .. يقول لي الصديق إسمع يا خالد الآن علينا ان نتوجه نحو ساحة جامع الفنا .. علينا أن نعيد إكتشاف أحفاد دارويين من القردة .. علينا أن نرى الأفاعي التي أتمنى ان آخذها معي وأضعها في كراسي البرلمان حتى تلسع كل برلماني يكذب على الشعب .. علينا أن نسمع للحكي المرِوي ونأكل اللحم المشوي .. كلام صديقي لا ينتهي وليس له حدود يشبه كلام نبيل بن عبد الله وزير الاتصال الذي يظل اليوم وطوله وهو يتحدث عن التطور النوعي الحاصل في قنواتنا الوطنية وفي مجال السمعي البصري، ومع ذلك إنقطع هذا "التطوري النوعي "الكهرباء لمدة ساعة وبقيت قناتنا الأولى غائبة عن المشاهدين الى أن اطلقت ريضال سراحها ..
جامع الفنا ، يختزل الكثير التنوع الثقافي بالرغم من أن الساحة عرفت تحولات كبيرة في السنوات الأخيرة إلا أن رمزيتها مازالت تجدب السائح الدولي والوطني من كل مكان .وتجعله يستمتع بعفوية بطلاقة لسان المراكشيين وابتسامتهم الدائمة التي تجعلك تخرج دراهمك بسلاسة لتعطيها لهم وأنتا في كامل الرضا.
أن تكسب قوتك في جامع الفنا يعني ان تكون مسلحا بسبع لغات ، فمن الحلايقي الى بائع عصير الليمون مرورا بأصحاب الثعابين والقردة كلهم يجاهدون في السنتهم لتسعفهم في إخراج كلمات مبعثرة من الفرنسية الى الانجليزية، والايطالية ،والهولندية دون نسيان الاسبانية وكل لغة تدخل في نطاق فضاء شينغن حيث الاورو هو العملة التي تسيل اللعاب هنا .. يقول بائع العصير وهو يمدنا بكاسين من عصير الليلمون ويضع ثمن 10 دراهم منحوتة على ليمونة كثمن للكأس الواحد .. شوف أخويا أولد لبلاد أنا مديار عشرة دراهم للغربيين ولكن نتوما ولاد لبلاد راك عارف 3 دراهم فقط لا غلا على مسكين ولكن الله يرحم يماك متخلصنيش قدام الكاوري .. في هذه اللحظة يقترب اجنبيان لغتهما فرنسية ، حينها يلعب بائع العصير لعبة الإخفاء معهما حينما يسألانه عن ثمن الكأس ، حينها يدير الثمن لجهته كي لا يروه ثم يقول لهم بإبتسامة ماكرة .. كوم تي فو .. بالعربية تاعرابت نتوما وجودكم ..
نترك بائع العصير بتناقضاته وخفة دمه ونسير في عمق الساحة .. تقترب شابة في بداية الثلاتينان من عمرها وتقول لصديقي .. خويا آش حب الخاطر .. لبغيتيه موجود 18 ولا 19 ولا 23 كلشي موجود .. سمراء.. شقراء .. بيضاء .. صدور مملوءة وخصور قويمة .. آشنو نتافقوا .. نظر الي صديقي وهو يقول لي إوى أخويا خالد ها سوق عكاض لكنا كنقراو عليه زمان .. ثم سألها بخبث واش كاينين الدكاليات .. أجابته كاين .. كلشي موجود .. حتى من بن كرير كاين وتلال الغرب وهضاب بني حسن .. .. ضحك الصديق ثم رد عليها بأدب لم تستسغه حينما قال لها بدعابة ماكرة .. سمحي لينا .. راحنا خاطبين أواكلين عقل ضبع باش منخونوش الخطيبات ديالنا حتى يفك الله سراحنا وندوز عندك .. عندك شي تيليفون ..
إنتهى صديقي من الورطة التي أدخل نفسه فيها لنتجه الى حلقة للملاكة طرفاها شابتان في بداية العشرينات .. كانت المتجمهرون على الحلقة قليلون الى أن قررت إحدى السائحات الإيطاليات أن تدخل التنافس .. بنزعت حدائها وشمرت على سواعدها وطلبت من مايسترو الحلقة أن يعطيها القفاز لكي ترطب خدود شقيقتها المغربية وتبرد نارا جاءت بها من إيطاليا وهي مشتعلة .. دها المراكشيين لا ينفذ فقد قرر مايستروا الحلقة أن يستغل الحدث لصالحه لذا منح القفازات للايطالية وجعلها في حلبة إفتراضية أمام مغربية علامات التعب تبدو على جسدها النحيل … تجمهر سياح كثر على طرف الايطالية التي ستخو ض معركة العمر أمام أحفاد يوسف بن تاشفين .. وقرروا أن يردوا الصاع صاعين ليعيد التاريخ نفسه لكن على شكل مهزلة ..
أخد صاحب الحلقة قباعته وصار يجول على السياح التي تجمهروا لتشجيع بنت جلدتهم وهو يحدتهم على دفع مليون دولار ويصر على الدولار لأنهم - كما يقول - سيشاهدون مباراة حقيقة لن تمنحهم الحياة فرصة مشاهدتها من جديد أو حتى إمكانية إعادتها على قناتنا الرياضية ..هذا الكلام كان يخلق ابتسامة عفوية من السياح الذين يرون من يطلب منهن مليون دولار يكتفي بطلب درهم واحد من عند المغاربة من دوي السحنات الافريقية .. لكل ثمنه أيها الغربي وعيق ..
بدأت المبارة ، وكل لكمة تصل لوجه الايطالية ترى المغاربة يهتزون فرحين بالانجاز .. والعكس صحيح حينما تتلقى المغربية لكمة في وجهها ليهتز جمهور السياح الغربيين مساندين للايطالية في معركتها المصيرية خارج الميدان ..
هكذا مر ليلنا في ساحة الفنا .. بين حلقة هنا .. ودردشة هناك .. بين إبحار في ثراث مدينة لا ينقضي جمالها ، وبين طواف طويل في شوارع المدينة ومقاهيها ومطاعمها ..
مراكش جميلة لكنها بدأت تشبه المراة التي تزيل كل يوم نصف متر من ثيابها لتصير في وقت قريب عارية تحت مصوغات مختلفة ..
هذا هو الإنطابع الذي تركته لي مراكش وبقي يسكنني على الاقل الى ان أصل لورززات لأرى كيف هي وكيف صارت وما أخبارها لأحكيها لكم في رحلتي القادمة ..
طاب يومكم
خالد البرحلي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 10th, 2007 at 10 سبتمبر 2007 9:06 م
أسلوب كتابي جميل واتمنا منك مشاركتنا في بناء شبكة إنترنت مثقفة.
ساهم معنا في إزالة الجهل ونشر الثقافة في موقع ألطش حيث نلطش الجهل ونستبدلة بالثقافة والعلم النافع —-> http://www.ol6osh.cn
سبتمبر 28th, 2007 at 28 سبتمبر 2007 1:46 ص
ok