1" target="_blank" rel="nofollow" _="">Adobe Acrobat  برنامج لقراءة بعض الوثائق و المستنداتWin Zip  برنامج ضغط الملفات<<نسخة سهلة للطبع .. اضغط هنا/>>Real Player برنامج لأداء بعض الصوتيات و المرئيات           

طرائف و أسرار حياة الحسن الثاني الرمضانية

كتبهاابواب ، في 30 سبتمبر 2007 الساعة: 12:40 م

 

لم يسلم مشوار ملوك المغرب من الطرائف وبعض الأحداث التي قد تبدو غير عادية للمواطن العادي، باعتبار أن السياسة عموما لا تنبني على العواطف أو المنطق دائما، وإنما تنبني على المصالح أحيانا والتوازنات وعوامل تفرضها الظرفية أحيانا أخرى.

 

وخلافا لمظاهر تقديس الملك، كشخصية عمومية، كانت حياة الملك/ الإنسان اليومية مع المقربين منه والمحيطين به وحاشيته لا تخلو من بعض الطرائف، لاسيما في اللقاءات الخاصة.

 

وبعيدا عن صورة الملك الماسك بزمام الأمور بيد من حديد على امتداد 38 سنة، كانت حياة الملك الراحل الحسن الثاني تتخللها نوادر وطرائف، منها ما تزامن حدوثها مع شهر الصيام.

 

 

على سبيل البدء

 

كان الملك الراحل الحسن الثاني حريصا بشدة على احترام أدق تفاصيل مظاهر البروتوكول المخزني وعادات البلاط، إذ كان لا يفرط فيها، ولو قيد أنملة، حتى خلال اللقاءات الخاصة والمغلقة.

 

في عهده ظلت خبايا القصر تحيط بسرية من نوع خاص، علما أن الحياة بالبلاط بقيت تخضع لطقوس خاصة وأحيانا كثيرة لمزاج الملك، ونظرا لأن المغاربة ظلوا شغوفين بالإطلاع على كل ما يهم الملك والعائلة الملكية والحياة وراء أسوار القصور العالية، فإن التطرق إليها اعتبره الكثيرون، ليس تجاوزا لخط من الخطوط الحمراء غير المرئية، وإنما استجابة لتطلعات أغلب المغاربة في معرفة "الشادة والفادة" على ملوكهم وأمرائهم وأميراتهم.

 

لكن ما زالت الأسطورة والإشاعة تطبع عدة جوانب من حياة الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان ملكا منفتحا متشبعا بالثقافة الغربية في آخر صيحاتها وبالحداثة، لكنه ظل متشبثا بأعرق التقاليد ومُصِراً على إعادة إحياء بعضها بقوة وحماس كبيرين، تقاليد عتيقة، أكل عليها الدهر وشرب في عيون الكثيرين بالنظر لمغرب الحداثة المزمع تكريسه.

 

فالناس تحب أن تعرف الكثير عن حياة المشاهير، فكيف بحياة الملوك وأهل البلاط، ومازالت المواضيع المرتبطة بالملك الراحل الحسن الثاني تستأثر باهتمام الرأي العام باعتباره الملك العلوي الذي حكم المغرب أطول فترة بعد المولى إسماعيل.

 

وهذا الملف محاولة تذكرة وتذكير ببعض اللحظات والأحداث الرمضانية في حياة الراحل الحسن الثاني، منظور إليها بعيون الصحفي الذي يعد مؤرخ اللحظات.

 

فطقوس حياة البلاط تتنوع حسب المواسيم والفصول على امتداد السنة، إذ للمناسبات الدينية طقوسها وقواعدها وعاداتها الملكية وأجواؤها التي تصاحبها وتؤطرها.

 

وحلول رمضان في عهد الراحل الحسن الثاني كان يغير من وتيرة الحياة بالقصر الملكي، لكن لم يكن يؤثر على مأكل ولباس وعادات الملك حسب جملة من الأشخاص مطلعين على ما أخفته أسوار البلاط العالية، علما أن الحياة بالقصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني ظلت رهينة بالفكرة والاعتقاد اللذان يضعان الملك في مرتبة المنزه وغير القابل للنقد، واللذان يطالبان الغير بالطاعة والخضوع الدائمين.

 

 

كانت لديه فرق امتناع ومؤانسة وقراءة كتب وطرب وتمثيل

 

الحسن الثاني كائن الليل وحكاياته

 

 

القليلون من المغاربة يعرفون أنه خلف المظهر المتجهم للحسن الثاني، كما كان يبدو على شاشة تلفزة دار لبريهي، كان ثمة شخص كثير الانبساط في مجالسه الخاصة.. فهو – كأغلب الحكام ذوي السلطات المطلقة – كان يفضل أن ينام الجزء الأكبر من النهار، ليظل مستيقظا ثلثي الليل.. وحينما سئل مرة عن السر في ذلك أجاب: "أفضل أن أنام حين يستيقظ شعبي واستفيق حين ينام" ترى ما الذي كان يقصده بهذا الجواب؟.. ثمة بالتأكيد من يعرف الجواب على هذا السؤال لكنه، "لا يريد، أو بالأحرى لا يستطيع الجهر به".

 

هناك بالمقابل من يؤكدون بـ "سرور" أنه كانت للحسن الثاني مجالسة الخاصة التي تتوزع على شتى المجالات: مثل نميمة الأزقة والدروب في الأحياء الشعبية، وقراءات ومناقشات لأحدث الكتب بشتى اللغات ومشاهدة "بروفات" التمثيليات الإذاعية والتلفزية قبل بتها على المغاربة و… وبين هذا وذاك الاستماع إلى نكات "جريئة" من وزير دولته الدائم بلا حقيبة مولاي أحمد العلوي".

 

وليس من شك أن مثل هذه المجالس كانت تعرف نكهة خاصة خلال شهور رمضان حيث يطيب السهر والسمر، ولهاتين الكلمتين معنيين خاصين جدا حينما يتعلق الأمر ببلاط ملك حكم المغرب بقوة لمدة ثمانية وثلاثين عاما.

 

 

لم يعد سرا على الكثيرين أن الملك الحسن الثاني كان كائنا ليليا بامتياز، ويوصف بهذا النعت الأخير كل امرئ يجعل ليله نهاره والعكس صحيح، ولا مبالغة في ذلك، حيث أن كل الذين ساقهم حسن حظهم أو سوئه، حسب سياق الأشياء، من المغاربة والأجانب، لملاقاة الحسن الثاني، أجمعوا أنهم تُركوا ينتظرون لساعات طوال، كانت تصل في بعض الأحيان لنصف يوم بكامله، وأشهر هؤلاء الصحافي المصري الكبير محمد حسنين هيكل، الذي كتب بعد سنوات طويلة من لقائه بالحسن الثاني في قصر فاس، أنه تُرك ينتظر لساعات طويلة، تأمل خلالها قطع الأثاث الفخم وثريات النور الضخمة، وشبعت خياشيمه من روائح البخور السائرة في أبهاء القصر قبل أن يُطل عليه الحسن الثاني.

 

نعم لقد كان ذلك جزءا من البروتوكول الملكي، على طريقة الحسن الثاني، حيث كان مطلوبا أن يشعر المُسْتَقْبَلُون - بالمبني للمجهول - أنهم إزاء حدث جلل، لكن كانت هناك أيضا تلك الحقيقة البرنامجية ليوم الملك، والذي كان يبدأ عادة بعد الظهيرة، حينما تكون الشمس قد تعبت من إشراقها على الأرض، عندها فحسب، كان يبدأ الحسن الثاني في تطبيق تفاصيل برنامجه اليومي، بمنح مواعيد العمل على بساط ملعب الغولف بدار السلام، حيث كان أعضاء الحكومة يأتونه فرادى، متأبطين ملفاتهم، ليعرضوا عليه آخر المستجدات، التي تتطلب أن يكون الملك على علم بها، ففي ذلك " المكتب " المعشوشب المديد اتُّخذت الكثير من القرارات التي تهم البرامج الملكية، التي سهر على تنفيذها الوزراء الأولون المتعاقبون، وأهمها بطبيعة الحال - أي القرارات - تلك التي اتخذها بمعية وزيرة القوي في الداخلية إدريس البصري.

 

غير أنه حينما ننعت إنسانا ما، بأنه كائن ليلي، فمعني ذلك أن المعني يقضي ليله في سمر يزجي به صمت الكون، حينما تكون الخليقة مخلدة للنوم، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بملك، وليس أي ملك، إنه الحسن الثاني، الذي استطاع أن يظل حاكما مطلقا على المغرب، لمدة لا تقل عن ثمانية وثلاثين سنة، كانت له خلالها تصوراته عما " يجب أن يكون عليه المغرب " وكان مما رآه أن المغاربة " يرتاحون في ظل النظام الشديد التمركز " أي " ضرورة وجود ملك يسود ويحكم " وقد فعل الحسن الثاني كل شيء ليكون على صواب.

 

إن من الصفات التي تلازم الحاكم المُطلق على طريقة العصور الوسطى في الشرق العربي، ودول الخلافة الإسلامية، منذ الأمويين حتى خلفاء الأستانة الأتراك، أن يكون الحاكم بأمره ذو مجالس للعلماء ووجهاء القوم والشعراء والفنانين والحكواتيين والمضحكين إلخ، ولم يشذ الحسن الثاني عن هذه القاعدة، حيث كان يحرص أن تكون له " مجالسه الخاصة " وبطبيعة الحال فإن هذه الأخيرة لم تكن بذلك الصيت الذي كان للمجالس القديمة للخلفاء، ذلك لأن العصر غير العصر، وقد كان جَعْلُهَا - أي مجالس الحسن الثاني – مشهورة، كفيلا بإثارة فضول صحافة البلدان الغربية، ومن تم انتزاع خصوصياتها " القروسطية " – مصطلح يجمع كلمتي القرون الوسطى – وهو ما لم يكن الحسن الثاني يحبذه بل يفضل بقاءها حبيسة أمكنتها الحميمية، على غرار السواتر الداكنة التي كان يلفها حول جوانب كثيرة من حياته الخاصة، ومنها مثلا أن جناح الحريم في قصره كان " يخزن " عشرات المئات من النساء، وهو الشيء الذي لم يكن معروفا بشكل كاف، اللهم بِضع نُتف من الشائعات تُلاك هنا وهناك وبأصوات خفيضة.

 

نفس الشيء يُمكن سحبه – كما سبقت الإشارة على مجالس الحسن الثاني، حيث كان الأمر يتعلق بمناسبات يومية خاصة جدا، تقتصر على نُخبة النخبة من مساعدي الحسن الثاني في حُكم المغرب.

 

والآن، وبعد وفاته، بدأت تنطلق الألسن من عقالها، حيث تحدث الكثيرون عن بعض الأوجه الخفية لحياة الحسن الثاني، ومنها مجالسه الخاصة، حيث حكى على سبيل المثال لا الحصر، بعض من مَن كانوا مقربين منه، كيف كان يجعل مجالسه الخاصة جديرة بإحدى حكايات رواية ألف ليلة وليلة، ومنهم مثلا الفقيه " بين بين " مُضحكه الخاص الذي كان يحقنه مستملحات في كبد الليل، قال الشيخ الذي بلغ من الكبر عتيا الآن، للصحافيين الذين سألوه عن بعض أوجه الأنس الليلي الذي كان يُفضله الحسن الثاني، أن هذا الأخير كان يحرص على الاستماع لعيون الشعر العربي، والمستملحات الاجتماعية العربية قديما وحديثا.

 

بيد أن أحد ملامح حياة الليل في حياة الحسن الثاني، وأكثرها أهمية، ظل في حكم المجهول اللهم لدى بعض المطلعين على تفاصيل حياة القصور أيام الحسن الثاني، ومنهم احد مصادرنا، الذي حكى كيف أنه كانت للحسن الثاني عشرة فرق، مهيكلة على أفضل وجه، وكأنها مصالح أو لِجَنٌ إدارية عالية المستوى، ويتمثل تخصصها في جمع المعطيات الثاوية، في تفاصيل الحياة و بطون الكتب، ومنها - حسب مصدرنا - فرقة الملحون مثلا التي كان يرأسها الفنان المعروف محمد الهاروشي، التي كانت، كما يتضح ذلك من اسمها تضطلع بجمع وأداء عيون أشعار هذا الفن المغربي العريق ونعني به الملحون. كما كانت هناك أيضا لجنة الطرب التي كان يرأسها الفنان أحمد البيضاوي، الذي كان يُلقي في مجالس الحسن الثاني، المخصصة لهذا الشق من المسامرات الليلية، شبه محاضرات في موضوع الطرب العربي، وتجدر الإشارة هنا - كما أفادنا مصدرنا – إن الحسن الثاني كان يُلقب الفنان البيضاوي بزرياب الأبيض ذلك لأن زرياب الحقيقي كان أسود البشرة.

 

كما كانت هناك بعض اللجن المكلفة بالبحث في بطون الكتب الحديثة الصدور باللغات العربية والفرنسية والألمانية والاسبانية والانجليزية، والقيام بتلخيصها قبل عرضها ومناقشتها في مجالس الحسن الثاني، وهو ما كان يجعل مجالس مناقشة الكتب، مناسبة حقيقية لمطارحة الفكر والأدب وشتى مجالات المعرفة. كان المشرف على هذه اللجنة أحمد العلوي، الوزير بدون حقيبة، في أكثر من حكومة على عهد الحسن الثاني، وصاحب اللسان الساخر، والقليلون كانوا يعرفون مدى حس الفكاهة الذي كان يتمتع به إلى جانب قسوته ووقاحته الأسطوريتين، يحكي عنه أحد العارفين ببلاط الحسن الثاني، أن العلوي حينما كان يُلاحظ على مولاه كدرا، كان يستأذن وكأنه سينقل له خبرا هاما جدا، غير أنه سرعان ما كان الحسن الثاني ينفجر ضحكا حين سماعه ل " الخبر " الذي نقله له أحمد العلوي، يقول مصدرنا الذي كان مقربا من بلاط الحسن الثاني، أنه سأل ذات مرة أحمد العلوي، عن فحوى ما قاله للملك حتى تبذل حاله من الكدر الشديد إلى الضحك المقهقه؟ فكان أن أجابه: " قلتُ له البقية في حياتك يا مولاي لقد مات أمين أسرار المثليين في فاس".

 

كان من بين أعضاء لجنة قراءة الكتب العربية والأجنبية، الدكتور عبد الهادي مسواك، الذي قضى ردحا طويلا من حياته شيوعيا مقتنعا، في حزب التقدم والاشتراكية، قبل أن يترك جماعة علي يعتة، مستقيلا، وقيل أنه تحول إلى " مؤمن ورع " بالقدر خيره وشره، في أواخر حياته، كان الدكتور مسواك يلخص كتب الفكر والسياسة، فيما كان الدكتور عبد الهادي بوطالب يقوم بتلخيص كتب التاريخ والسير والدين. وميزة هذه اللجنة حسب مصدرنا السابق ذكره، أنها كانت تجمع خيرة النخبة المغربية في شتى فروع العلم والمعرفة، وبالعديد من اللغات.

 

كانت هناك أيضا لجنة التمثيل التي كان يرأسها الطيب الصديقي، ومن أعضائها احمد الطيب لعلج ومحمد حسن الجندي.. ومهمتها كانت هي أداء التمثيليات في حضرة الحسن الثاني قبل تقديمها للجمهور المغربي، في الإذاعة والتلفزة. كما كانت هناك أيضا لجن الأصوات التي كان يترأسها المغني المعروف فتح الله لمغاري، ومن أعضائها عبد الوهاب الدكالي، ويؤكد مصدرنا ان الحسن الثاني لم يكن يتورع عن العزف على العديد من الآلات الموسيقية، خلال أداء الأغنيات في مجالسه الليلية الخاصة.

 

كانت هناك أيضا لجنة الاستماع المتخصصة في جمع "نبض المجتمع" وكما يفيد اسمها فقد كان أعضاؤها نوع من "الجواسيس" مهمتهم جمع آخر القفشات والتعليقات التي ينتجها الشعب في أعمق قيعانه، وذلك حتى تزدان بها مجالس الملك، باعتبارها مستملحات شعبية مثيرة لشهية الضحك، وليس من شك أن مثل هذه الجلسات كانت تتخذ نكهة خاصة في شهر رمضان، حيث يكون مطلوبا بإلحاح تزويد مجالس الحسن الثاني الليلي بالجديد المضحك من الأخبار والتعليقات الشعبية.

 

ولو تحدث أولئك الذين كانوا يتوزعون على اللجن العشرة التي أحدثها الحسن الثاني لخدمة مجالس أنسه، لتوفرت للصحافيين والمؤرخين مواد دسمة لفهم أبعاد من الشخصية المركبة للحسن الثاني.

 

 

 

 

 

المؤذن المغني رغما عنه

 

 

إشاعة راجت كثيرا في إحدى شهور رمضان إبان عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

 

ففي إحدى الليالي الرمضانية لعب المعجون برأس جندي كان في إجازة قصيرة بالعاصمة، وكان مارا بالصدفة بمحاذاة إحدى المساجد الكبرى بالرباط، فسمع المؤذن وهو يشرع في "التهليل" قبل حلول موعد آذان الفجر، فولج المسجد واتجه صوب المدخل المؤدي إلى الصومعة، فوجده غير مقفل فصعد.

 

وقتها كان المؤذن "يهلل" من أعلى الصومعة، حيث لم يكن قد تم الشروع في استعمال المكرو ومكبر الصوت الذي يغني عن الصعود إلى أعلى المئذنة والاكتفاء بالآذان من أسفل الصومعة أو من جانب المنبر المخصص للإمام.

 

فوجئ المؤذن بوجود الجندي المسطول وراءه في أعلى الصومعة، حيث هدده بسلاح أبيض وفرض عليه ترديد مقطع من أغنية شعبية مشهورة ذائعة الصيت وسط المغاربة، عوض الاستمرار في "التهليل" إلى حين حلول موعد آذان الفجر.

 

بلغ الأمر إلى علم الملك الراحل الحسن الثاني، فأمر وزيره في الأوقاف باتخاذ الإجراءات الضرورية حتى لا يتكرر مثل هذا الفعل، لاسيما إقفال باب الصومعة قبل الصعود للتهليل أو أداء الآذان.

 

ومنذ ذلك الحين تم تجهيز كبريات المساجد بجهاز صوتي مكبر يعفي المؤذنين من الصعود إلى أعلى الصومعة.

 

وبهذا الخصوص طرأت حادثة بمدينة أكادير السياحية، عندما كان مطيع عاملا على إقليمها، إذ اشتكى جملة من السياح من مكبرات الصوت بالمساجد التي كانت تبث مجريات صلاة التراويح قبل آذان الفجر خلال شهر رمضان، وكان جوابه أن القضية مرتبطة بأمور السيادة وبرمز من رموز الدولة المغربية، وبالتالي على السياح التكيف بأية طريقة يرونها مناسبة.

 

 

 

 

 

هبة ألف خبزة يوميا

 

هدية "مستدامة" قوامها ألف خبزة يوميا.. قرار من القرارات التي اتخذها الملك الراحل الحسن الثاني في إحدى الليالي الرمضانية، وهو قرار خص زاوية ابن عباس السبتي، علاوة على ثور يذبح كل يوم خميس ويوزع لحمه على الفقراء.

 

ويقول أحد المقربين إن إحدى القصائد التي كتبها الملك الراحل تضمنت ذكر هذه الهبة الملكية محبوكة على طريقة جهابدة الشعراء.

 

 

هدية "روك فيلر" أربكت حراس الملك

 

 

يقال إن هذه الحكاية حدثت قبل آذان المغرب بساعات قليلة في شهر رمضان برحاب القصر الملكي بالرباط.

 

حضر الثري المشهور ذي الصيت العالمي، "روك فيلر" إلى قصر الرباط ومعه هدية خاصة للملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يتلقى هدايا خلال أعياد ميلاده وفي مناسبات أخرى، وقد عرف عن جلالته أنه كان يستحب هذا الأمر كثيرا، وكانت أعز الهدايا على نفسه "العود القماري" الذي يحبه كثيرا.

 

واعتبارا للعلاقات التي كانت تربطه بالثري "روك فيلر"، حار هذا الأخير في اختيار نوع الهدية التي ستروق الملك، وبعد عدة استشارات ومشاورات استقر رأيه على البحث عن هدية يحقق بها سبقا مع الملك، وبعد تفكير طويل وعدة اتصالات اقترح عليه أحد مقربي الملك إهداءه آخر نموذج من الدراجات النارية قبل ترويجه في السوق، وهذا ما كان.

 

حضر "روك فيلر" إلى قصر الرباط ومعه الدراجة النارية، والتقى بالملك فسلّمه الهدية ببهو البلاط. أعجب الراحل الحسن الثاني بالدراجة النارية وأمر بفتح أبواب القصر ثم انطلق على حين غرة كالسهم أمام دهشة الجميع، ارتبك الحرس الشخصي للملك، وتبعه بعضهم جريا على الأقدام واتجه آخرون إلى سياراتهم لملاحقة الملك الذي لم يعد يظهر له أثر.

 

 

إحضار لبن الناقة الطري على متن طائرة حربية

 

 

في إحدى المناسبات نزل الرئيس الموريتاني السابق، معاوية ولد الطايع، ضيفا على الملك، وكانت رغبة الضيف الإفطار على لبن الناقة الذي اعتاد عليه دون غيره، إلا أنه لم يكن متوفرا بمطبخ القصر آنذاك.

 

وبعد استشارة الملك الراحل الحسن الثاني في الأمر وجد الحل توا، وبعد أقل من ثلاث ساعات كان لبن الناقة على طاولة إفطار الرئيس الموريتاني السابق، فكيف تم ذلك؟

 

لقد أمر الراحل الحسن الثاني بإحضار لبن الناقة، فتم الاتصال الفوري بأحد عمال الأقاليم الصحراوية لجلب كمية منه، ثم توجهت طائرة حربية لإحضاره بسرعة، وهكذا تمت تلبية طلب الرئيس معاوية ولد الطايع الذي وجد لبن الناقة الطري على طاولة الإفطار.

 

 

طال انتظار السادات واستشاط غضبه

 

 

من الطرائف الرمضانية، قصة انتظار الرئيس المصري المغتال أنور السادات طويلا لمقابلة الملك الراحل الحسن الثاني.

 

كان من المقرر أن يتم هذا اللقاء في ساعة محددة، حضر الرئيس المصري قبل الموعد بقليل لكن الملك الراحل تأخر كثيرا، وطال انتظار الرئيس المصري حتى بدت معالم الغضب على محياه، ولما أوشك غضبه بلوغ قمته، حضر الملك وطلب من عقيلة الرئيس أن تتوجه إلى جناح الحريم قبل بداية المقابلة. ساد الصمت وعلامات الغضب تكتسح محيا الرئيس المصري، وفجأة تعالت ضحكات عقيلة الرئيس المصري، وبعد برهة ظهرت وهي ترتدي لباسا مغربيا تقليديا (التكشيطة)، مزهوة بالحلي الذهبية والمجوهرات، حيث بدت أنيقة جميلة وهي في قمة فرحها وانشراحها. فتغيرت ملامح الرئيس أنور السادات وصدرت عنه ضحكات الرضا والسرور ونسي أن الملك الراحل تركه ينتظر وقتا طويلا.

 

ومن المعلوم أن علاقات خاصة كانت تربط الرجلين، فالملك الراحل هو الذي هيأ لظروف التقارب المصري – الإسرائيلي، ليعقد الطرفان العزم على الشروع في المفاوضات، كما أن الراحل الحسن الثاني اقترح على الرئيس أنور السادات أن لا يتسرع في اتفاق انفرادي مع إسرائيل ونصحه بالتريث حتى يشارك في مناظرة دولية كان ينوي الملك تنظيمها بالمغرب حول السلم والسلام بالشرق الأوسط.

 

 

اعتقادات سادت طويلا

 

 

ظل الكثير يعتقدون أن حياة القصور في عهد الملك الراحل الحسن الثاني في شهر رمضان مطبوعة بمشاهد من ألف ليلة وليلة. كما شاعت في الأوساط الشعبية جملة من الاعتقادات، منها "التبارود"، وهي خليط قيل إنه يهيأ في إحدى ليالي رمضان ويدهن به الملك وجهه لبعث الهيبة.

 

كما أن أهل القصر كانوا ينفرون من مصادفة عيد الفطر وعيد الأضحى يوم الجمعة، باعتباره إشارة لحدوث شؤم ما، وهذا أمر ارتبط بمعتقدات أخرى تلفها بعض الغرابة، مثل عدم الزامية قيام الملوك العلويين بالحج وعدم عبور واد ماسة، لذا كان الملك الراحل الحسن الثاني، في زياراته إلى الجنوب، حينما يصل موكبه إلى واد ماسة، جنوب أيت ملول، في الطريق المؤدية إلى تزنيت، يغادر السيارة أو الحافلة ويركب طائرة مروحية تنقله إلى الجانب الآخر لواد ماسة من جهة البحر تلافيا لعبوره.

 

ومن التقاليد التي ظلت سارية المفعول بالبلاط، لاسيما في شهر رمضان، أن المكلفين باللباس السلطاني الرسمي دأبوا على احترام بعض القواعد، وهي بمثابة إشارات يفهمها أهل القصر.

 

كان الخدم القائمون على اللباس السلطاني يحترمون مقاييس مضبوطة للجزء الظاهر من "الشاشية" الحمراء تحت العمامة البيضاء، وقيل إن كبر أو صغر ذلك الجزء الظاهر منها يدل على مزاج الملك في ذلك اليوم، فكبر الحجم الظاهر يشير إلى أن السلطان غاضب، والعكس صحيح، ذلك أنه إذا لم تظهر الشاشية الحمراء من تحت العمامة البيضاء، فيعني ذلك أن الملك في حالة من الحبور ولا يمكن طلب أي شيء منه.

 

 

جولان الملك مختفيا

 

 

كثيرون هم الذين ظلوا يعتقدون أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يتجول متخفيا، لاسيما في شهر رمضان.

 

وحسب أخبار متناثرة هنا وهناك، تمكن بعض المواطنين من كشف هوية الملك وهو يتجول متخفيا وسط الرعية، ومنهم من كانوا سريعي البديهة فانقضوا على الفرصة لطلب تحقيق بعض رغباتهم وتحقيق أمنياتهم.

 

وفي هذا الصدد تناسلت أخبار، منها خبر بائعة الخبز الفقيرة التي تحولت إلى تاجرة ذات رأسمال شخصي بفضل هبة ملكية مهمة.. وخبر سائق طاكسي صغير أجير، فاز بمبلغ مالي مكنه من اقتناء طاكسي خاص يديره بنفسه.

 

ومن القصص التي راجت بين المغاربة في بداية العهد الحسني، أن الملك الراحل الحسن الثاني، كان يقوم بما كان يقوم به والده الراحل محمد الخامس في شهر رمضان، إذ كان يمتطي صهوة جواده قُبَيْل آذان المغرب ويقوم بجولة خارج المشور بجانب الأسوار القديمة، فيخرج من باب زعير ليحيط بالمشور ويدخل من باب السفراء، وغالبا ما كان بعض المواطنين يستقرون ببعض الأماكن ويتناولون وجبة الإفطار بها، سعيا لمقابلة الملك من أجل تلبية بعض طلباتهم، إلا أن هذه العادة الملكية انقطعت مع توقيف مراسيم صلاة الجمعة بعد منتصف ستينات القرن الماضي.

 

وفي نظر الكثير من المغاربة، كان الملك الحسن الثاني يعرف دقائق أحوال رعيته من خلال التجول متخفيا أو عبر تكليف أشخاص لاستقصاء الأحوال عن قرب وبالمعاينة اللصيقة.

 

 

رؤية الهلال وتليفون المساجد

 

 

في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني كانت بشرى رؤية الهلال تنطلق من القصر الملكي بالرباط، إذ كان يصعد إلى سطح القصر عازف "الغيطة" ذائع الصيت آنذاك في العدوتين (الرباط وسلا)، "الكمرة"، فينطلق بإنشاد مقطوعات مشهورة، وقد قيل عنه إنه كان "يكلم الغيطة كما يريد ويشاء" بفعل إتقان استعمالها، كيف لا وهو "غياط" القصر.

 

وبعد ذلك دأبت التفلزة المغربية على بث صور "الكمرة" وهو يعزف على "الغيطة" قبل الإعلان عن بشرى ثبوت رؤية الهلال، وقد دام الحال على هذا المنوال لمدة سنوات عديدة، لدرجة أصبح ظهور "الكمرة" بتلفزة دار البريهي مرتبطا ببشرى قدوم شهر رمضان أو الإعلان عن نهايته وقدوم عيد الفطر.

 

وحدث في إحدى السنوات أن تم الإعلان عن ثبوت رؤية الهلال بعد طلوع شمس اليوم الموالي، إذ كان المغاربة ممسكين، معتقدين أن رمضان لم ينته بعد، وقد تم حلول عيد الفطر في الساعة العاشرة صباحا.

 

في السنة الموالية أمر الملك الراحل الحسن الثاني بتزويد كبريات المساجد بمختلف المدن بخطوط الهواتف حتى يتمكن مراقبو بروز الهلال من إخبار الوزارة فور رؤيته حتى لا يتكرر ما حدث في السنة الماضية.

 

ومنذ ذلك الوقت، خلافا لباقي الوزارات التي تدخل مرحلة سبات في شهر رمضان، بدأت وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف تعرف نشاطا ملحوظا مع اقتراب شهر رمضان وخلاله، أكثر من نشاطها باقي السنة، إذ أضحت تسهر بجدية على ترميم المساجد وتغيير أفرشتها والحرص على تزويد بعضها بخطوط الهواتف.

 

 

"حصيرة" مسجد أهل فاس

 

 

"تاحاصرت"، من المهن التقليدية التي كانت تزخر بها المدن العتيقة، وكان "الحصارة" (أصحاب هذه المهنة) ينتظرون بفارغ الصبر قرب قدوم شهر رمضان، إذ كانت الحركة تنشط عندهم بحلول شعبان بفعل طلبات "الحصير" (بساط مصنوع من نوع من الدوم) من طرف وزارة الأوقاف والزوايا والأضرحة لتغيير أفرشتها.

 

في أحد الأيام الرمضانية، حضر الملك الراحل الحسن الثاني على حين غرة إلى مسجد أهل فاس بالمشور لصلاة التراويح، وعند خروجه، يقول شاهد عيان، لاحظ الملك حصيرا من "البلاستيك" ملفوفا بالقرب من الباب، فأمر بتنحية كل "حصيرة بلاستيكية" بذلك المسجد وتعويضها بالحصير التقليدي المصنوع من الدوم، وقال للقائم على المسجد، بصوت تلفه علامات الغضب البين: "واش بغيتوا تَقْضِيوْ على تاحصارت".

 

 

عندما تزامنت مراسيم البيعة مع رمضان

 

 

في منتصف عهد الملك الراحل الحسن الثاني، تزامن عيد العرش ومراسيم تقديم البيعة مع شهر رمضان، واقترح أحد المقربين تنظيمها بعد أذان المغرب، فواجهه الملك بدرس مستفيض بخصوص البيعة ومدلولها وميقات تقديمها منذ أن تولت الأسرة العلوية زمام الأمور بالمغرب، وتفاجأ صاحب الاقتراح من سرد المصادر وأمهات المخطوطات والكتب الغزيرة التي استقى منها الملك الراحل معلوماته، مع الوقوف على إشارات قوية دالة على استمرار نفس الطقوس وفي ذات الميقات دون تغيير على امتداد عقود، إذ لم يكن اختيار حفل تقديم البيعة اعتباطا، وإنما هي ديمومة مظاهر لبنات السلطة ولا يصح تغيير ميقاتها وأجواء أدائها ولو في شهر رمضان، وذلك باعتبارها رباطا بين الملك ورعيته، علاوة على أنها مظهر من مظاهر الهيبة والخضوع التي لا يمكن زعزعتها مهما كان الأمر، فمراسيم البيعة رهينة بفكر سياسي "سلطاني" (وهو التعبير الذي استعمله الملك الراحل)، غير مدون كله، لكنه ظل حاضرا باستمرار، ويمتد تاريخه على الأقل منذ عهد المرابطين.

 

وجوهر هذا الفكر يقوم على شخصية الحاكم السلطاني، وهو ما تكرس بقوة على امتداد عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

 

 

أجواء رمضان بالبلاط

 

 

خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني لم تكن أجواء الحياة اليومية بالبلاط تختلف كثيرا في شهر رمضان، إذ يظل الملك متفردا، من حيث طريقة اللباس والمأكل والإقامة والترفيه أيضا.

 

ففي رمضان عرف عن الملك الراحل بقاؤه مدة أطول بجناحه الخاص محاطا بخواصه دون تخليه عن عادته في تفقد أحوال القصر خلال النهار والليل.

 

ولم تكن المائدة الملكية خاصة في شهر رمضان، وإنما تظل مشابهة لباقي الأيام، وهي غالبا ما تحضر للتشريف وليس للشَّبَع، ونادرا جدا ما كان يحضر غريب عن أهل القصر ضيوفا حول مائدة الملك خلال شهر رمضان، وإذا حضر فلا ينبس بكلمة إلا إذا أذن له الملك، وإذا رفع الملك يده عن الطعام يكف الحاضرون عن الأكل، فيأمرهم الملك بالاستمرار إذا رغبوا في ذلك.

 

وحسب العالمين بخبايا البلاط في العهد الحسني، كان يسود في شهر رمضان عدم القدرة على مكالمة الملك مباشرة، إلا في بعض المناسبات حيث يرفع فيها نسبيا هذا المنع وذلك بشروط دقيقة تنظمها طقوس صارمة، إذ، في شهر رمضان، كان أهل القصر يحرصون أكثر على ضرورة احترام المسافة الواجبة للملك.

 

قبل مرضه، كانت مجالس الملك لا تنتهي، وفي هذا الصدد يؤكد الصحفي الفرنسي "إريك لورون" (وهو الذي قضى وقتا طويلا رفقة الملك قبيل رحيله، عندما كان يعد لكتاب "ذاكرة ملك")، أن الراحل الحسن الثاني في آخر أيامه لم يعد يستقبل الكثير من الناس كما كان في الماضي، وكان يبدو متعبا ومرتخيا، كأنه يشعر بعزلة كبيرة في دواخله، فبصفته ملكا قويا وشديد البأس، كان ذكيا جدا وفطنا لدرجة لا تقوى وضاعة وتملق المحيطين به أن تخضعه، لكنه كان ملتصقا بالتقاليد والطقوس البروتوكولية، لذلك كان يقبل بالكثير من أنواع التملق.

 

لكن الشهادات التي صدرت عن خصومه أجمعت على الإشادة بخصاله كرجل دولة كبير.

 

كان من عادة الملك الراحل الحسن الثاني، لاسيما في شهر رمضان، أن يبخر المكان الذي ينام فيه بالعود القماري، رغم تنبيه الأطباء بالتخلي عن هذه العادة المؤثرة على صحته، لكنه كان يعشق رائحته ويعتبره أحسن الهدايا التي تقدم إليه.

 

وحسب بعض المقربين من جلالته، كان الراحل الحسن الثاني غالبا ما يبعث لإشاعة روح الدعابة في شهر رمضان، ولم يكن ينقطع عن سرد الكثير من النكت في بداية عهده، بل منذ كان وليا للعهد.

 

في حين قال آخرون إن مزاج الملك الراحل كان قابلا للتغيير بسرعة ذلك أن شخصيته مركبة ومتداخلة الأبعاد.

 

وفي رمضان سنتي 1971 و1972 انقطع كثيرا عن الظهور، واتضحت عدم ثقته بالمحيطين به والمقربين منه.

 

 

مجالس الملك

 

 

في شهر رمضان كان الراحل الحسن الثاني يحضر مجالس طرب ومسامرة بهدف الترويح عن النفس والتخلص من أعباء التدبير السياسي، وكذلك من أجل تتبع أوضاع الرعية.

 

وقد عرف عنه، أنه كان يكلف جملة من الأشخاص في شهر رمضان، يتجولون بالمغرب لاستقصاء اهتمامات الناس ومعرفة أحوالهم، وكان الملك يجتمع بهم بانتظام للتعرف على ما جمعوه من معلومات ومعطيات.

 

علما أن ظهور الملك في شهر الصيام كان يقل، ولا يظهر إلا مع بداية الدروس الحسنية التي يحضرها يوميا.

 

 

مؤنسو الملك

 

 

كان الملك الراحل الحسن الثاني لا يستقبل أشخاصا كثيرين في شهر رمضان، لكنه كان يكثر من مجالسة مؤنسيه، إلا الفقيه بين بين، الذي كان غالبا ما يجالسه رأسا لرأس في رمضان.

 

ومن هؤلاء المؤنسين أحمد السنوسي وأحمد البيضاوي ومؤنس مصري شعبي وافته المنية بالمغرب وهو في خدمة الملك، حيث دفن بالرباط.

 

وقد عرف على هذا الأخير أنه كان من عوام الناس كثير البسط والانشراح، وغالبا ما كان يقرأ "الأزلية" و"العنترية" على أسماع الراحل الحسن الثاني قبل أن يتوجه إلى فراشه، لاسيما في فصل الشتاء.

 

كما كان هناك مؤنس يهودي متخصص في رواية الطرائف اليهودية لتسلية الملك، ووافته المنية وهو في خدمة القصر الملكي ودفن بالمغرب أيضا.

 

 

الفقيه بين بين أبرز مؤنسي الحسن الثاني

 

 

كان الفقيه بين بين آخر شخص سامر الملك الحسن الثاني قبل وفاته، وهو الذي ظل يؤنسه أكثر من ثلاثة عقود.

 

ويعد الفقيه بين بين من أبرز ندماء الراحل الحسن الثاني، إذ كان لا يتركه إلا بعد أن ينام، وكان يطيل مجالسته خلال شهر رمضان، وهو الوحيد الذي كان يجلس بجانبه على متن السيارة.

 

وقال بين بين، بعد وفاة الملك، لم يكن ينام إلا وقد رآه أمامه فيتذكر مجالسته بكل التفاصيل.

 

دأب الفقيه بين بين على إضحاك الملك بحكي بعض النكت والطرائف، لكن غالبا ما كان يتحدث معه في شؤون الفكر والشعر والفقه والأدب والتاريخ، ويتبادلان معا القصائد الشعرية، علما أن الراحل الحسن الثاني كان يحب جميع أنواع الشعر ويحفظ المعلقات التي أعجب بها، خصوصا ما يتعلق بالغزل.

 

وغالبا ما كان الفقيه بين بين يتعشى مع الملك قبل مؤانسته، وظل الملك الراحل يصر على حضوره كلما استقبل أو جالس أحد الشعراء المشهورين، وهذا ما حدث مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشاعر العراقي المهدي الجواهري.

 

كان بين بين لا يفارق الراحل الحسن الثاني ويلازمه في جميع أسفاره بالداخل والخارج.

 

ومن أصعب اللحظات التي قضاها رفقة الملك، لحظة الاحتجاز لمدة ثلاث ساعات كانت عصيبة إبان حدوث انقلاب الصخيرات الذي شارك فيه ابنه، وكذلك لحظة عزم الملك الراحل على تقديم استقالته وتخليه عن العرش في حالة فشل المسيرة الخضراء، بعد مصارحة المغاربة بأن عليهم أن يبحثوا عمن يقوم مقامه.

 

وفي هذا الصدد يقول الفقيه بين بين في تصريحه لصحيفة "الجريدة الأخرى"، إن الراحل الحسن الثاني امتنع ثلاثة أيام متتالية عن تناول الطعام منهمكا في تفكير قدسي عميق بهذا الخصوص.

 

وكان ذلك في سنة 1975، ولم يكن الملك الراحل الحسن الثاني غاضبا عندما كشف عن نية استقالته، لكن القلق كان باديا عليه، واختفى عن الأنظار ثلاثة أيام بأكادير لم يتحدث فيها مع أحد.

 

كما كشف الفقيه بين بين عن حادثة طريفة، مفادها أن أحد الصحفيين الإسبان حضر إلى المغرب لتغطية المسيرة الخضراء، وأجر سيارة لاقتياده إلى الصحراء، وفي طريقهما سمع السائق المغربي، عبر الراديو، خطاب الملك الذي أمر فيه بإيقاف المسيرة الخضراء بعد أن حققت هدفها، فامتثل توا للأمر وانحاز إلى جانب الطريق ثم أوقف محرك السيارة، وعندما استفسره الصحفي مندهشا أجابه السائق قائلا: "لقد أمرنا الملك بالتوقف، ولا يمكن مخالفة أمره".

 

دأب الملك الراحل الحسن الثاني على وصف مؤنسه، الفقيه بين بين، بأكبر راوية لشاعر الحمراء، ابن إبراهيم، صاحب قصيدة المقهى البلدي.

 

في ليالي رمضان كان الراحل الحسن الثاني يحب سماع الشعر من إلقاء مؤنسه حتى يذهب إلى فراش نومه، إذ كان يقرأه عليه حتى يغفو، ولم يكن بين بين يغادر القصر إلا قبل أذان الصبح.

 

وحسب الفقيه بين بين، إن غضب الملك غالبا ما كان مستطيرا، وإذا كان غاضبا لا يتكلم إلا بالإشارة، لكن حين يكون مسرورا يحب السماع للشعر والنكت والطرائف، وكان يسمع ويحكي كذلك، لكن في شهر رمضان لم يكن غضب الملك يطول كما هو الأمر في الأيام العادية.

 

التقى الملك الراحل الفقيه بين بين لأول مرة بفضل قصيدة ألقاها بمناسبة عيد العرش ووصل مضمونها إلى علم الملك، وكان مطلعها:

 

هل يرتديني العرش من شعرائه

 

وأنا حليف الشعر تحت لوائه

 

أفلا يغني الطائر الغريد

 

في روض أتى الروض حسن غنائه

 

فأنا ذلك الغريد…

 

بعث الراحل الحسن الثاني في طلب الفقيه بين بين ودام لقاؤهما أكثر من ثلاث ساعات في أحد أيام رمضان، ثم كلفه بجمع ديوان شاعر الحمراء، وبعد انجاز المهمة عينه كأحد مؤنسيه فامتثل الفقيه بين بين للأمر وظل بجانبه إلى أن وافته المنية سنة 1999.

 

 

مجالسة الفنانين

 

 

في بداية عهده كان الراحل الحسن الثاني يخصص بعض أيام شهر رمضان لمجالسة الفنانين المغاربة والعرب، من أمثال محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ووديع الصافي وأم كلثوم وصباح وغيرهم، وبعض الشعراء العرب، وهم الذين أقروا، قبل المغاربة، بأن الملك الراحل كان الفنان الأول.

 

وقد عرف عن جلالته أنه كان يهتم بالمجال الموسيقي، وكان قد خصص له وقتا عندما كان يتابع دراسته بفرنسا قبل أن يخيره والده الراحل محمد الخامس بين الاهتمام بشؤون الملك أو التفرغ للموسيقى والفن، وقد عرف عنه أنه كان يخصص وقتا خاصا وحميميا للموسيقى، لاسيما في شهر رمضان.

 

وهناك أغنيات وطنية كثيرة ولدت في شهر رمضان، في وقت كان هذا الصنف نوعا من التزلف للملك، بمناسبة أو غير مناسبة، الشيء الذي جعلها تتحول إلى أداة سياسية تستهدف امتلاك أحاسيس المغاربة وشعورهم، رغم أن تأثيرها على أغلب المغاربة كان عكس المنتظر منها بفعل تكرارها أكثر من اللازم في المناسبات الوطنية، إذ كانت تستحوذ على ساعات البث الإذاعي والتلفزي، كما شكلت نوعا من التكسب، إذ أن جميع الفنانين كانوا يتنافسون في هذا المجال أكثر من أي مجال فني آخر.

 

 

ليلة "شعبانة"

 

من طقوس رمضان بالقصر الملكي في عهد الملك الراحل الحسن الثاني إحياء ليلة "شعبانة" المعروفة لدى الأوساط الشعبية المغربية، وقد حرص على إحيائها واستدعاء بعض المقربين إليها من الفنانين والفقهاء والشعراء.

 

كان الملك الراحل يستقبل اقتراب حلول رمضان بتنظيم "شعبانة"، وهي ظاهرة عرف بها الملوك العلويون، إذ تستدعى لها جميع الأهازيج الشعبية الممثلة للخريطة الفنية الشعبية المغربية.

 

لقد دأب الراحل الحسن الثاني على إحيائها، ولم تكن مجرد ليلة واحدة فقط كما هي العادة، وإنما ليالي "شعبانة"، إذ كانت تخصص ليلة للفولكلور وأخرى للغناء الشعبي وأخرى للغناء العصري وأخرى للفكاهة..

 

وكان الراحل الحسن الثاني يخصص مبالغ مالية هامة يقدمها للفنانين المشاركين والذين كانوا ينتظرون "شعبانة" الملكية بفارغ الصبر مع قرب حلول شهر رمضان، فكان الراحل يغدق فيها على الفنانين أموالا كثيرة من ماله الخاص، وكانت توزع بشكل اعتباطي (كلها وزهرو).

 

وكانت ليالي شعبانة تحيا بالقصر الملكي وبحضور الملك، وأغلب طرائف الراحل الحسن الثاني مع الفنانين المغاربة والتي كشفت عنها الصحافة حدثت في ليالي "شعبانة".

 

 

للدروس الحسنية طرائفها وغرائبها

 

 

إن مراسيم حضور الملك للدروس الدينية الرمضانية لها أكثر من دلالة، وتحمل علامات تساهم في جعل سلطة الملك مرئية وبادية للعيان، وهذه من الأمور التي تدخل في نطاق شكليات الحكم الذي يضم جملة من الرموز والإشارات السلطوية.

 

فمرة أوقف الملك الراحل الحسن الثاني أحد المقرئين في الدروس الحسنية المبثوثة مباشرة على الهواء، وقال له: "أريدك أن تقرأ بدون غنة وبدون سيكة ونهوان"، وهي مقامات موسيقية، أوقفه لأنه غضب للأمر، إذ كان من المعروف على الحسن الثاني أنه كان يستحسن الق

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “طرائف و أسرار حياة الحسن الثاني الرمضانية”

  1. شكرا لك و للملك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر