طرائف و أسرار حياة الحسن الثاني الرمضانية 2
كتبهاابواب ، في 30 سبتمبر 2007 الساعة: 12:58 م
كان الحسن الثاني شغوفا بهزائم ملوك العرب القدامى
يشرح الأستاذ محمد الكاديلي، الذي عمل فترة من الزمن، بالعديد من المهام الإعلامية والفكرية والثقافية بالديوان الملكي، حيث كُلف مثلا بتحليل الخطب الملكية من طرف الحسن الثاني.. يشرح طبيعة بعض المهام، المنوطة بأعضاء عشر لجان، كان قد أحدثها الحسن الثاني لتزوده بمواد من مختلف المجالات المعرفية والاجتماعية، ويورد أيضا بعض خصائص شخصية الحسن الثاني، وبعض الطرائف التي حدثت له وكان هو قريبا منها أو سمع بها عبر زملاء العمل في البلاط الملكي..
- كُنت عضوا ضمن لجنة من اللجان العشر، التي كان الحسن الثاني قد أحدثها لجمع المعطيات، حول مواضيع مختلفة بدءا بالفكر مرورا بالأدب والدين، والتمثيل والطرب.. إلى آخره، هل يُمكن لك أن تحدثنا ذ الكاديلي عن التصور الذي كان وراء إحداث هذه اللجان؟
+ تعرفون أنه كانت للحسن الثاني، صلة وثيقة بميادين الفكر والثقافة، وبما أنه كانت لديه مشاغل كثيرة سياسية وغيرها لا تترك له الوقت للاطلاع على تلك المجالات العلمية والأدبية، عن طريق القراءة، فكان أن اقترح عليه بعض المقربين أن تقدم له ملخصات لبعض المواضيع الفكرية والأدبية والعلمية..
- مَن الذي اقترح عليه ذلك؟
+ كانوا مجموعة من الأساتذة وعلى رأسهم الفقيه الركَراكي، الذي كان أستاذا للحسن الثاني حينما كان وليا للعهد، وللأمير مولاي عبد الله، وللأميرات عائشة ومليكة ونزهة، لقد كان باختصار أستاذا للأسرة الملكية، من سنة 1943 إلى 1948 حتى حصل الحسن الثاني على الباكالوريا.
إذن يمكن القول ان الفقيه الركَراكَي هو مَن اقترح فكرة اللجان العشرة، وكان يُقدم أيضا لوائح متعددة بأسماء المرشحين للعمل فيها، ليختار الحسن الثاني مَن يصلح له.
- في أية لجنة من تلك اللجان كنت عضوا؟
+ كنت عضوا في اللجنة التاريخية، وقد تم ذلك بشكل عفوي، حيث أنه في سنة 1966 كان المغرب قد قطع مدة عشر سنوات من الاستقلال، وكان أن تم تكليفي بأن أكتب حديثا يُذاع في كل الإذاعات العربية، التي لنا معها علاقات دبلوماسية، وكان أن جاءتني تعليمات مكتوبة من طرف الحسن الثاني، عن طريق الأستاذ إدريس بنونة الذي كان رئيسا للتشريفات الملكية، وكان أن عقدنا عدة جلسات، في بيت الفقيه الركَراكَي، حيث كان الحسن الثاني يريد أن يكون الحديث المُذاع مرتكزا على ثلاث نقط، تتلخص في أن المغرب كان بلدا أمازيغيا، ولما جاء الإسلام واختلط الدم العربي بالدم الأمازيغي، نشأ عنهما الدم المغربي، وهو ما كان يعني، أننا مغاربة مسلمون، ولسنا عربا ولا أمازيغيين..
- هل تتوفر على ما يُثبت هذا الرأي؟
+ كان ذلك مكتوبا في ورقة بخط الحسن الثاني، يحتفظ بها رئيس التشريفات الملكية إدريس بنونة.
- على ماذا كان ينصب عمل اللجنة التي كنت عضوا فيها؟
+ من خلال التعليمات التي كان الحسن الثاني يلقيها في أمر عمل اللجان العشرة، فقد كان مطلوبا مني أن أركز على كل ما يتعلق بتاريخ الدولة العلوية، وكذلك تحليل الخطب الملكية ضمن حلقات تحت عنوان " شذرات من ذهب " وفي سنة 1968 بعث لي الحسن الثاني مَن يخبرني إنه علي أن أكتب أحاديث عن الدولة العلوية، وهو ما سيتطور فيما بعد إلى مشروع كتاب " ثلاثة قرون وعشر سنوات من تاريخ الدولة العلوية " طبعناه بمناسبة بلوغ الحسن الثاني الأربعين من عمره.
- يقال أن الحسن الثاني كان شغوفا بحكايات التراث العربي القديم وبالأخص منها الطريفة، وانه كان يحب الاستماع إليها، خاصة في الليالي الرمضانية؟
+ لقد كان المشرف على موضوع الطرائف في جلسات الحسن الثاني الثقافية والفكرية، هو الأستاذ احمد البيضاوي، وكان الحسن الثاني مهتما، كما علمتُ، بالهزائم التي كانت تقع لبعض الملوك العرب مثل الأمين ابن هارون الرشيد، وما وقع له مع أخيه المامون، حيث كانت بينهما معارك دامية، من خلال التجاء كل واحد منهما إلى طلب نصرة الفرس والأتراك ضد بعضهما البعض.
- لماذا كان الحسن الثاني مهتما بهذا النوع من الهزائم الملكية القديمة؟
+ أظن أن هذا يعود إلى ذكائه الوقاد وطبعه الحاد، فهو كان يرفض مطلقا، أن يقول له أحد ما كلمة لا، أو أن يُقال له مثلا: " أنت لست على حق "، لقد كانت له بهذا الصدد معارك كثيرة مع صديقه ومستشاره أحمد رضا كَديرة.
- مثلا؟
+ سأسوق لك موقفا حضرته بنفسي، أثناء أول انتخابات عرفها المغرب سنة 1963 كان رضا كَديرة حينها وزيرا للفلاحة، غير انه أصيب بوعكة صحية منعته من الاستمرار في فترات الدوام بالعمل، لذا كان يذهب مرغما إلى وزارة الفلاحة، بينما كان الحسن الثاني يبعث معه ممرضة وأحد المتخصصين في الترويض، في تلك الظروف الصحية البالغة الصعوبة كان الحسن الثاني يجعل رضا كَديرة يشتغل، حيث كان هذا الأخير يُدلي بملاحظاته حول سير العملية الانتخابية بينما الحسن الثاني يُسجل، وكذلك ما يتعلق بالغرفة الدستورية التي كانت ستشرع في عملها لأول مرة.
وكان يحدث أن يرتفع صوتا الرجلين - أي الحسن الثاني وكَديرة - بصياح عال يتجاوز الغرفة التي كانا يتناقشان فيها.
- وماذا أيضا بصدد مزاج الحسن الثاني؟
+ من المعروف أن الحسن الثاني كان شديد الغضب على مساعديه، ففي إحدى المرات كان في ملعب الكَولف، مشغولا بمهمة إرسال الكرة الصغيرة إلى حفرتها، غير أنه أخطأ الهدف في لحظة ما غير أن أحد رجال حاشيته شرع يُصفق فكان أن استشاط الحسن الثاني غضبا وتوجه إليه قائلا: " لماذا تصفق أيها الحمار والكرة لم تدخل مكانها " فكان أن أجاب المشتوم: " يا سيدي، إنهم لم يصنعوا الحفرة في مكانها الصحيح، وهذه حكاية معروفة.
- كيف كانت تمر الجلسات الرمضانية أيام الحسن الثاني؟
لقد كانت جلسات دينية بامتياز، حيث كان يجعل العديد من اللجان تشتغل بمناسبة شهر رمضان في المجال الديني، ويهتم بالأساس بالتاريخ الإسلامي من عهد الرسول إلى الزمن المتأخر، وكان يُعجبه التحدث عن عمر ابن الخطاب، وعمر ابن عبد العزيز. وعن معاوية بن أبي سفيان، الذي كان يستشهد كثيرا بمقولته الشهيرة: " لو كانت بيني وبينكم شعرة لما قطعتها ".
- وماذا عن الذوق الأدبي للحسن الثاني؟
+ لقد كان يحب كثيرا الشاعرين أبا الطيب المتنبي، و عمر بن أبي ربيعة.
- وماذا عن عمل اللجان الأخرى، هل كانت هناك لجنة مختصة بجمع معطيات الحياة الشعبية، كما ذهبت إلى ذلك بعض الروايات؟
+ نعم كانت هناك لجنة تهتم بأخبار الشارع، لها اسم " راديو المدينة " كان من بين أعضائها الإعلامي المعروف، المرحوم أحمد زياد واحمد حمود وعبد السلام زنيند وغيرهم كثيرون.
- ما هي مهمة أعضاء هذه اللجنة هذه اللجنة؟
+ كانوا مكلفين بتسقط أخبار الشارع، حيث أن الحسن الثاني لم يكن يتصرف أبدا بمعزل عن جس وقائع الأمور، ومن تم كان اهتمامه بآراء الشارع في العديد من القضايا. وكانت لديه أيضا لجان تشتغل بهذا الصدد في البادية.
سعيد هبال مؤلف كتاب (فنانون في بلاط الملك) لـ "المشعل"
رمضان في بلاط الملك
بعد رحلة بحث شاقة تمكن المبدع المغربي سعيد هبال من تسجيل السبق فيما يرتبط بتدوين علاقة الملك الراحل الحسن الثاني بالفنانين عموما، وما يدور في فلكها من لقاءات حيممية كان يطبعها جلالته بأجواء الحس العائلي، فرغم شح المعلومات في هذا الجانب تمكن (هبال) من تأليف كتاب عنونه بـ (فنانون في بلاط الملك) يحكي من خلاله الحكاية الملكية مع الفنانين على لسان مبدعين عاشوا اللحظة مع الراحل واستمتعوا بها على الطريقة الملكية التي أراد لها الملك أن تبقى منقوشة بالحب في رحاب صاحب الصولة والصولجان، "المشعل" ربطت الاتصال المباشر بسعيد هبال، ووقفت معه على البعض من جوانب حياة الراحل الحسن الثاني المرتبطة بأجواء شهر الصيام وسجلت التصريح التالي:
حسب المعلومات التي وصلت إليها والمدونة في كتابي (فنانون في بلاط الملك) إن الراحل الحسن الثاني كان يستقبل شهر رمضان الفضيل باهتمام كبير للغاية، ولخلق أجواء رمضانية على المقاس الذي يرضاه جلالته، كان يمنع قطعا الأنشطة الفنية في القصر ويفرض بديلا عنها طقوسا تتلاءم والوازع الديني الذي يملأ صدره، حيث كان يستمع خلالها للقراءات القرآنية والابتهالات الدينية والأمداح النبوية، وكان الراحل يشدد على سماع تجويد القرآن على الطريقة المغربية (ورش) ومدرسة بنموسى رحمه الله، وهي خاصية كانت تلازم جلالته، كونه يحرص على إضفاء الطابع المغربي الأصيل على كل ما يقدم أمامه، فكان يدعو إلى القصر في الأيام الرمضانية مجموعة من حفظة القرآن ومجوديه والمنشدين الدينيين، والمعروف كذلك أنه كان يكثر من مجالسة علماء الإسلام خلال الشهر الفضيل، ليس فقط المغاربة إنما ينفتح على كل العلماء من جميع أنحاء المعمور، وكذلك المفكرين والمثقفين، إضافة إلى العلماء المسلمين الذين كانوا يشاركون في الدروس الحسنية الرمضانية التي كان يخصها الراحل باهتمام كبير جدا.
كما أن الأجواء الرمضانية كانت تمثل بالنسبة لجلالته فسحة يختلي فيها بنفسه للقراءة، حيث كان يدخر كل الإصدارات العالمية التي ترفع إلى معاليه والكتب المختلفة التي يهديها له المفكرون والأدباء والعلماء من جميع أنحاء العالم، ليعكف عليها خلال أوقاته الرمضانية ويطالعها لساعات قد تمتد إلى ساعتين أو ثلاثة، هذا بالإضافة إلى أن الراحل الحسن الثاني كان يعتبر الأجواء الرمضانية فرصة سانحة لإحياء صلة الرحم، فيعمد إلى تخصيص موائد عائلية كبرى تجتمع حولها الأسرة الملكية الصغيرة بما فيها أبناء العمومة والأخوال والمقربين والأصهار، وكان رحمه الله يحرص غاية الحرص على هذه اللمة العائلية في أيام رمضان، بنية التواصل العائلي وتمتين أواصر القرابة داخل الأجواء الدينية التي تملأ أيام رمضان.
وتفيد مصادر مقربة من القصر أن الراحل كان يكثر من خرجاته خلال شهر رمضان، خاصة للأسواق الشعبية ويمكن التأكد من هذه المعلومة من خلال صورة التقطها المصور الخاص للملك (مرادجي) يظهر فيها الحسن الثاني وهو يوزع أرغفة خبز على إحدى المتسولات، وهي صورة مشاعة الآن يمكن الحصول عليها بسهولة، فهي تؤرخ لزيارة ملكية في رمضان لأحد الأسواق الشعبية بمدينة سلا، حيث يظهر سور السوق بجلاء في قلب الصورة، مما يدل أن الملك الراحل كان يستغل الوقت الرمضاني للقيام بزيارات ميدانية لبعض الأسواق الشعبية، وغالبا ما كان يخرج من أجل توزيع الأموال ومنح الهدايا لمرتادي هذه الأماكن التي غالبا ما يقصدها المحتاجون والدراويش من أبناء هذا الوطن. والمعروف أيضا أن الحسن الثاني كان يحب الجلوس أمام البحر في رمضان.
وغالبا ما كان يقصد مكانا بين الصخور يراقب من خلاله عملية غروب الشمس وقت الأصيل، مع العلم أن جلالته لم يكن مولوعا بالصيد، خلافا للأمير مولاي عبد الله الذي يحكى أنه كان صيادا ماهرا، يعشق صيد السمك على الطريقة التقليدية (الكصبة).
وفي رواية للفنان صالح الشرقي، أنه ذات يوم أرسل الملك في طلبه على وجه السرعة فلما لبى الدعوة ودخل إلى القصر الملكي العامر، فأمر بالدخول على الملك وهو طريح الفراش، الأمر الذي لم يسبق أن حصل بأن سمح لأحدهم باقتحام سرير نوم الملك، فدخل صالح الشرقي وقلبه في يده من شدة الدهشة، ( حتى لا أقول الخوف) وكان الشهر وقتها حسب الرواية شهر الصيام، فما إن مثل أمام حضرة الملك، حتى بادره هذا الأخير، بورقة أخرجها من تحت وسادته وحالة المرض بادية عليه بشكل كبير جدا، فلما تفحصها (الشرقي) علم أنها قصيدة للإمام الشطيبي تحت عنوان (يا رسول الله خد بيدي)، فقال له الملك "يا صالح إني أعرف ما تملكه من مؤهلات تقنية ومواهب فنية في مجال الطرب والغناء واللحن، لذلك أسلمك هذه القصيدة ليصيبها نصيب من مهاراتك الفنية في مجال اللحن، فهي قصيدة دينية لإمام عزيز علينا فلا تبخل عليها من إبداعك وفنك".وكما هو معروف عن الحسن الثاني أنه كان من حفظة الشعر العربي الفصيح وفروعه من الزجل وما شابه، فأعطى مهلة لصالح الشرقي للقيام بمهمته مشروطة بضرورة إطلاع جلالته على جميع مراحل انجاز هذا العمل، فما كان من أمر (صالح الشرقي) إلا أن امتثل لأمر الملك وأعطى للقصيدة لحنا رائعا جدا، غنته كوكب الشرق أم كلثوم، ليسجل اسم صالح الشرقي كأول وآخر ملحن مغربي تغنت بألحانه سيدة الطرب العربي أم كلثوم، وحسب الرواية أيضا أن الملك الراحل كان السبب في تغني أم كلثوم بقصيدة الإمام الشطيبي بعد أن أعجبه اللحن الذي رافق كلماتها الدينية.
الكاديلي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























